مؤيد الدين الجندي

215

شرح فصوص الحكم

والتصرّف في الأكوان بالأسماء والحروف والكلمات والآيات وما شاكل ذلك ، فلهذه المناسبة الأصلية ، ذكر - رضي الله عنه - حكمة النفث بعد الحكمة الإلهية ، وأضافها إلى شيث عليه السّلام كما أضاف الحكمة الأولى إلى آدم . و « شيث » في اللغة العبرانية هو الهبة ، وكان أوّل من وهبه الله آدم بعد تفجّعه على فقد هابيل ، فعوّض الله له عن هابيل شيثا ، وسيرد في داخل الفصّ تتمّة البحث . قال - رضي الله عنه - : [ 3 ] « ثم حكمة سبّوحية في كلمة نوحيّة » . قال العبد - أيّده الله به - : أمّا [ وجه ] إضافة هذه الحكمة إلى الحضرة السبّوحية فهو أنّ الغالب على الدعوة النوحية التنزيه والتقديس على ما سيجيء في شرح المتن ، وأولى تعيّن من المراتب الأسمائية بعد تعيّن المرتبة الإلهية هي مراتب أسماء التنزيه والإطلاق والتقديس ، ثم تتعين النسب الثبوتية ، وبعد تعين مرتبة الفيض والنفث ، إنّما وجد أوّلا عالم الأرواح والعقول والمجرّدات التي لها من معرفة الحق قسم التنزيه والتسبيح والتقديس ، ولهذا كان « 1 » الحكمة الثالثة فالأوّل حكم الجمع ، والثاني مرتبة الفيض والوهب ، والثالث إيجاد عالم التنزيه والتقديس . ولأنّ الغالب على أمّة نوح عليه السّلام الأمور الظاهرة وعبادة أنواع الأصنام ، وجب أن تكون من الله دعوة نبيّهم إلى التنزيه والتطهير عن التحديد والتجسيم تعليما أنّ ما يعبدون لا يصلح للعبادة ، ولهذا نزلت هذه الحكمة على نوح ، وقلبه عليه السّلام محلّ نقش هذه الحكمة ، فهذا ما أردنا من تفسير قوله : « فصّ حكمة سبّوحية في كلمة نوحية » . قال - رضي الله عنه - : [ 4 ] « ثم حكمة قدّوسيّة في كلمة إدريسية » . اعلم : أنّ « التسبيح » - كما علمت - حمد الحق - تعالى - والثناء عليه بالأمور السلبية ونفي النقائص عن الجناب الإلهي ، وتنزيهه عن التشبيه والتحديد والتقييد . وكذلك « التقديس » هو التنزيه عن النقائص وعن صلاحية قبول جناب الله - تعالى - ذلك وإمكانه فيه فإنّ ذلك مستحيل إضافته « 2 » إلى جنابه تعالى لكونه غنيّا عن العالمين

--> « 1 » كذا . والظاهر : ولهذا كانت الحكمة الثالثة . « 2 » ف : إضافتها .